الغزالي
114
إحياء علوم الدين
يبدو فيه الغنى والفقر ، والموازين فيه منصوبة . لقد عتيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت ، ولو عنيت به الجبال لذابت ، ولو عنيت به الأرض لتشققت . أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة : وأنكم صائرون إلى إحداهما وكتب رجل إلى أخ له : أما بعد : فإن الدنيا حلم والآخرة يقظة ، والمتوسط بينهما الموت ، ونحن في أضغاث أحلام ، والسلام وكتب آخر إلى أخ له : إن الحزن على الدنيا طويل ، والموت من الإنسان قريب ، وللنقص في كل يوم منه نصيب ، وللبلاء في جسمه دبيب ، فبادر قبل أن تنادي بالرحيل والسلام . وقال الحسن : كان آدم عليه السلام قبل أن يخطئ أمله خلف ظهره ، وأجله بين عينيه . فلما أصاب الخطيئة حول فجعل أمله بين عينيه ، وأجله خلف ظهره وقال عبد الله بن سميط : سمعت أبي يقول : أيها المغتر بطول صحته ، أما رأيت ميتا قط من غير سقم ؟ أيها المغتر بطول المهلة ، أما رأيت مأخوذا قط من غير عدة ؟ إنك لو فكرت في طول عمرك لنسيت ما قد تقدم من لذاتك . أبالصّحة تغترون ؟ أم بطول العافية تمرحون ؟ أم الموت تأمنون ؟ أم على ملك الموت تجترؤن ؟ إن ملك الموت إذا جاء لا يمنعه منك ثروة مالك ، ولا كثرة احتشادك . أما علمت أن ساعة الموت ذات كرب ، وغصص ، وندامة على التفريط ، ثم يقال رحم الله عبدا عمل لما بعد الموت ، رحم الله عبدا نظر لنفسه قبل نزول الموت . وقال أبو زكريا التيمي . بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام ، إذا أتي بحجر منقور ، فطلب من يقرؤه ، فأتى بوهب بن منبه ، فإذا فيه : ابن آدم ، إنك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك ، ولرغبت في الزيادة من عملك ، ولقصرت من حرصك وحيلك . وإنما يلقاك غدا ندمك لو قد زلَّت بك قدمك ، وأسلمك أهلك وحشمك ، وفارقك الوالد والقريب ، ورفضك الولد والنسيب ، فلا أنت إلى دنياك عائد ، ولا في حسناتك زائد ، فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة . فبكى سليمان بكاء شديدا وقال بعضهم : رأيت كتابا من محمد بن يوسف إلى عبد الرحمن بن يوسف : سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإني أحذرك متحوّلك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك ، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها ،